الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أشار إليه السكاكي . والإكراه : الإلجاء والقسر . [ 100 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 100 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) عطف على جملة : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ [ يونس : 99 ] لتقرير مضمونها لأن مضمونها إنكار أن يقدر النبي صلى اللّه عليه وسلم على إلجاء الناس إلى الإيمان لأن اللّه هو الذي يقدر على ذلك . ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير المخاطب ، أي كيف يمكنك أن تكره الناس على الإيمان والحال أنه لا تستطيع نفس أن تؤمن إلا بإذن اللّه لها بالإيمان . والإذن : هنا إذن تكوين وتقدير . فهو خلق النفس مستعدة لقبول الحق مميزة بين الحق والباطل ، والصلاح والفساد ، متوصلة بالنظر الصحيح إلى معرفة ما ينبغي أن يتبع وما لا ينبغي ، متمكنة بصحة الإرادة من زجر داعية الهوى والأعراض العاجلة ومن اتباع داعية الحق والعاقبة الدائمة حتى إذا وجه إليها الإرشاد حصل فيها الهدى . ويومئ إلى هذا المعنى من الإذن قوله في مقابله وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فقابل هذه الحالة بحالة الذين لا يعقلون فعلم أن حالة الإيمان حالة من يعقلون ، فبينت آية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [ يونس : 99 ] أن إيمان من لم يؤمن هو لعدم مشيئة اللّه إيمانه . وبينت هذه الآية أن إيمان من آمن هو بمشيئة اللّه إيمانه ، وكلاهما راجع إلى تقدير التكوين في النفوس والعقول . والرجس : حقيقته الخبث والفساد . وأطلق هنا على الكفر ، لأنه خبث نفساني ، والقرينة مقابلته بالإيمان كالمقابلة التي في قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً إلى قوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 124 ، 125 ] . والمعنى : ويوقع الكفر على الذين لا يعقلون . والمراد نفي العقل المستقيم ، أي الذين لا تهتدي عقولهم إلى إدراك الحق ولا يستعملون عقولهم بالنظر في الأدلة . و عَلَى للاستعلاء المجازي المستعمل في التمكن . وقرأ الجمهور وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ بياء الغيبة ، والضمير عائد إلى اسم الجلالة الذي قبله . وقرأه أبو بكر عن عاصم ونجعل بنون العظمة .